أنصار السنة المحمدية
لجنة الدعوة
اللجنة العلمية
اللجنة الاجتماعية
مكتبة مجمع التوحيد
البحوث و الخطب
شارك معنا
اتصل بنا
التلاوات القـرآنية
الدروس والخطب
مقالات العلماء والمشايخ
رسائل ومطويات
قسم البحوث الشرعية
الخطب المنبرية المكتوبة
بيانات مجلس شورى العلماء
فتاوي معاصرة هامة
اعلانات وأخبار الموقع
سلسلة الواعظ
سلسلة زاد الواعظين
صفوت نور الدين (298)
صفوت الشوادفى (153)
زكريا حسينى (189)
جمال المراكبى (238)
محمود مرسي (38)
محمد حسانين (85)
أحمد سليمان (694)
على حسين (23)
صلاح الدق (16)
صبرى عبد المجيد (368)
يحيى زكريا (366)
أكرم عبد الله (163)
سيد عبد العال (365)
محمد عبد العزيز (271)
محمد سيف (27)
الازهر الشريف
موقع أنصار السنة المحمدية
موقع د/ جمال المراكبى
مناظرة حول الحجاب_1
مناظرة حول الحجاب_2
حقد أهل الشرك وسفاهة الأغبياء
مناظرة حول الحجاب_3
خطبة عيد الفطر 1428 هـ
مواقف من حياة الشيخ صفوت نور الدين
سورة الفاتحة وما تيسر من سورة الكهف [ الآيات 21 حتى 44 ] براوية ابن ذكوان عن ابن عامر
نهاية رمضان والاستقامة على طريق الرحمن
أشد الفتن
شرح العقيدة الواسطية_ المحاضرة الأولي

الروابط المباشرة للدروس


 

 قصة أصحاب القرية - زاد الواعظين

 
كود 1250
كاتب المقال اللجنة العلمية
القسم   قصة أصحاب القرية - زاد الواعظين
نبذة تمكين الله تعالى للمرسلين، بحيث استطاعوا تبليغ رسالته، ولم يستسلموا لشبه أهل القرية أولاً، وتهديهم لهم ثانيًا، وهذه من مهمتهم " وما علينا إلا البلاغ المبين " [يس: 17].ومن أدى ما عليه فقد انتصر وفاز ونجح.انتهى.
تاريخ 30/05/2019
مرات الاطلاع 393

طباعة    أخبر صديق

قصة أصحاب القرية

الدفاع عن الدين والعقيدة؛ مطلب كل مسلم مؤمن بالله ورسُله على مر العصور. والدعوة إلى الحق والهدى بعد معرفته وتبيّنه؛ صفة المسلم الصادق المحب لدينه، يفعل ذلك ويؤديه حسب قدرته، باذلاً لذلك كل وقته وماله وكل ما يملك، ومستمراً عليه مهما كانت الظروف

وتلك هي صفة مؤمن  أصحاب القرية  الذي تحدث الله عنه وعن قومه ضمن آيات من سورة (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)۞ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30))  [ يس: 13 -30]

وإذا تدبر العبد في قصة أصحاب القرية مع رسلهم، ومع صاحبهم المسلم استنبط منها  الكثير من الدروس والعبر ومن ذلك: -

الهدف من القصص أخذ الدرس والعبرة وليس البحث عن مبهمات لا تفيد.

لم يذكر القرآن اسم هذه القرية ولا اسم ذلك الرجل. وهذا دليل واضح على أن الذي يعنينا هو أخذ الدرس والعبرة. ولو كان في تعيين ذلك فائدة، لعينه الله سبحانه وتعالى، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها.(1)

الحث على سرعة الاستجابة للحق.

{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20]

 فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتا ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره. سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون. وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.

وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان. ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته. ولكنها العقيدة الحية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها.

ووصف الرجل بالسعي يفيد أنه جاء مسرعًا وأنه بلغه هم أهل المدينة برجم الرسل أو تعذيبهم، فأراد أن ينصحهم خشية عليهم وعلى الرسل، وهذا ثناء على هذا الرجل يفيد أنه ممن يقتدى به في الإسراع إلى تغيير المنكر.(2)

الإيمان يدفع صاحبه إلى الدعوة إلى الله، {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] إذا خالط الإيمان بشاشة القلوب حرك صاحبه إلى الدعوة، وإلى تبليغ دين الله سبحانه وتعالى، فلا يعدم الحق في كل زمان أنصارًا له، وإن كانوا قلة، وكان أهل الباطل كثرة، فقد قيض الله مؤمنًا من أهل القرية جاء يعدو مسرعًا لما سمع بخبر الرسل، وناقش قومه، ورغبهم وأرهبهم، ودعاهم إلى توحيد الله واتباع الرسل، وترك عبادة الأصنام.

قال الرازي: في تنكير الرجل مع أنه كان معروفًا معلومًا عند الله فائدتان: -

 الأولى: أن يكون تعظيما لشأنه أي رجل كامل في الرجولية. الثانية: أن يكون مفيدا لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا.(3)

الحث على كظم الغيظ، والصبر على جهل المدعوين، هذا الرجل يقول  {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}  ويخاطبهم باللين، وافتتاح خطابه إياهم بندائهم بوصف القومية له قصد منه أن في كلامه الإيماء إلى أن ما سيخاطبهم به هو محض نصيحة لأنه يحب لقومه ما يحب لنفسه.(4)

وهذا يدل على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في عمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام.(5)

عظمة الله عز وجل وقدرته البالغة، وسوء عاقبة المكذبين

{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس: 28، 29] أي: ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم، فننزل جندًا من السماء لإتلافهم، {وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ} لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم {إِنْ كَانَتْ} أي: كانت عقوبتهم {إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي: صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة الله، {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم عليهم. هكذا إذًا كانت عاقبته هؤلاء القوم الخمود.(6)

وذلك لأن اله تعالى توعد من حارب أولياءه بالعذاب الأليم كما في حديث ْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ..."(7)  وإذا آذن الله قومًا بالحرب فلا يفلحون أبداً

إخلاص العبادة لله تعالى: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22]  أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، ولا عطاءً ولا منعًا، ولا حياةً ولا موتًا ولا نشورًا.(8)

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم فائدة المعبودات من دون الله جاء موضحاً في آيات من كتاب الله تعالى: كقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ الله عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون} [ الزمر: 38 ] وقوله تعالى: {قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} [ الإسراء: 56 ] وقوله تعالى: {قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض} [ سبأ: 22 ].وقوله تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظالمين} [ يونس: 106 ]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.(9)

مسؤولية الداعية والمربي أن يدل الناس على الخير، وأما هداية التوفيق فمن الله تعالى.

{وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا -التي هي البلاغ المبين- قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء.(10)

ومن هنا يعلم أنه يجب على من دعا إلى الله أن يكون على بصيرة وعلى علم؛ لأن هذا

 هو وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم يدعون إلى الله على هدى منه، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [ يوسف: 108]، وأما من يدعو على غير هدى فإنه قد يفسد أكثر مما يصلح؛ لأن الذي يدعو على غير علم ربما يجعل الشيء الحرام حلالًا، والحلال حرامًا وهو لا يدري، فيحصل بذلك فساد في الدين والعقيدة.

 قال ابن القيم رحمه الله: وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد، وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى أقصى حد يصل إليه السعي، ويكفي في هذا شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء.(11)

الترفُّع عن طلب الأجر الدنيوي، وهذا من أسباب قَبول دعوة الداعين إلى الحق؛ ولذا قال هذا المؤمن لقومه: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: 21]، ونلاحظ أن عدم سؤال الأجر قُدِّمَ على الاهتداء؛ لأن القوم كانوا في شك من صدق المرسلين وكان من دواعي تكذيبهم اتهامهم بأنهم يجرون لأنفسهم نفعا من ذلك لأن القوم لما غلب عليهم التعلق بحب المال وصاروا بعداء عن إدراك المقاصد السامية كانوا يعدون كل سعي يلوح على امرئ إنما يسعى به إلى نفعه. فقدم ما يزيل عنهم هذه الاسترابة وليتهيؤوا إلى التأمل فيما يدعونهم إليه، ولأن هذا من قبيل التخلية بالنسبة للمرسلين والمرسل إليهم، والتخلية تقدم على التحلية، وبعد ذلك تهيأ الموقع لجملة وهم مهتدون، أي وهم متصفون بالاهتداء إلى ما يأتي بالسعادة الأبدية، وهم إنما يدعونكم إلى أن تسيروا سيرتهم فإذا كانوا هم مهتدين فإن ما يدعونكم إليه من الاقتداء بهم دعوة إلى الهدى، فتضمنت هذه الجملة بموقعها بعد التي قبلها ثناء على المرسلين وعلى ما يدعون إليه وترغيبا في متابعتهم.(12)

تمنِّي الخير للناس بدلًا من الشماتة بهم.

قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [يس: 26، 27]: تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله له.

قال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: {يا قوم اتبعوا المرسلين} [يس: 20]، وبعد مماته في قوله: {يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}.(13)

والمعنى أنه لم يُلهه دخوله الجنة عن حال قومه، فتمنَّى أن يعلموا ماذا لقي من ربه؛ ليعلموا فضيلة الإيمان فيؤمنوا، وما تمنَّى هلاكهم ولا الشماتة بهم، فكان متَّسِمًا بكَظْم الغيظ، وبالحلم على أهل الجهل؛ وذلك لأن عالم الحقائق لا تتوجَّه فيه النفس إلا إلى الصلاح المحض، ولا قيمة للحظوظ الدنية، وسفاسف الأمور.(14)

وهنا يجب تطهير القلب من الحقد والحسد وكل أمر قبيح.

تبليغ الدين والثبات عليه من صور التمكين في الأرض

يظن السواد الأعظم من القائمين على أمر الدعوة الإسلامية أن الصورة الوحيدة للتمكين هي الغلبة المباشرة على الخصم وهذا قصور في فهم صور التمكين لأن التمكين للمؤمنين له وجوه عدة، وأمور متنوعة من أهمها تبليغ الرسالة

فأهل هذه القرية لم يستجيبوا لدعوة المرسلين، ومضوا في كفرهم وعنادهم غير مبالين، وهددوا المرسلين بالرجم والعذاب الأليم، والمتأمل في الآيات تظهر له بعض معاني النصر والتمكين التي حققها المرسلون، وبذلك يكونوا قد نصروا نصرًا مأزرًا، وأن أصحاب القرية هم الخاسرون.

إن معاني النصر ظهرت في الحقائق التالية:

* تمكين الله تعالى للمرسلين، بحيث استطاعوا تبليغ رسالته، ولم يستسلموا لشبه أهل القرية أولاً، وتهديهم لهم ثانيًا، وهذه من مهمتهم " وما علينا إلا البلاغ المبين " [يس: 17].ومن أدى ما عليه فقد انتصر وفاز ونجح.انتهى.

* استجابة رجل من أهل القرية لهم، وتأييده لدعوة التوحيد علانية يعد نصرًا وانتصارًا له ولهم، ولذلك كان رد أهل القرية عنيفًا تجاهه، لأنهم شعروا بخذلانه لهم، وخذلانهم نصر لأولئك الرسل.

* وصول دعوة التوحيد إلى أقصى المدينة دليل على المجهود العظيم الذي بذله المرسولون وتدل على المعاني العظيمة من الصدق والإخلاص التي تمكنت في نفوسهم من أجل دعوة التوحيد.

المعاصي سبب المصائب والنكبات

فعندما قال أصحاب القرية لرسلهم {إنا تطيرنا بكم} أي ما يصيبنا من بلاء

 فبشؤمكم وبسبب دعوتكم ووجودكم فيما بيننا، ولكن الرسل ردوا عليهم   أي إن سبب شؤمكم معكم وهو كفركم ومعاصيكم.

فلابد من العلم بأن المعاصي سبب أكيد لحلول المصائب والنكبات في الناس قال تعالى {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] أي ما أصابكم أيها الناس من مصائب الدنيا ونكبانتها كالقحط والغرق وتسلط الظالمين عليكم وغير ذلك...{فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي بسبب معاصيكم التي فعلتموها {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}أي ويعفو عن كثير من ذنوبكم ومعاصيكم فلا يعاقبكم عليها عاجلا، قيل وآجلا، وقال شيخ الإسلام: ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به في كتابه: أن المعاصي سبب المصائب، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] (سورة الشورى: آية 30).وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155].(15)

--

(1) تيسير الكريم الرحمن (ص: 693)

(2) التحرير والتنوير (22/ 366)

(3) مفاتيح الغيب (26/ 263)

(4) التحرير والتنوير (22/ 366)

(5) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (4/ 11)

(6) تيسير الكريم الرحمن (ص: 695)

(7) البخاري(6502)

(8) تيسير الكريم الرحمن (ص: 694)

(9) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6/ 294)

(10) تيسير الكريم الرحمن (ص: 694)

(11) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 154).

(12) التحرير والتنوير (22/ 367)

(13) تفسير ابن كثير (6/ 572)

(14) التحرير والتنوير (22/ 371). 

(15) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (ص: 21)

اجعلني صفحة البداية
أضفني إلى المفضلة

 
 
© جميع الحقوق محفوظة لموقع التوحيد دوت نت 2006 - 2018   برمجة: ميدل هوست
2018