باب بستان الواعظين : دعاتنا والمشاركة في أعمال الخير (سلسلة الواعظ عدد جمادى الآخرة 1437هـ)

2016-03-06

اللجنة العلمية

دعاتنا والمشاركة في أعمال الخير

دعاتنا والمشاركة في أعمال الخير

إن الله قد أسبغ على عباده نعمه ظاهرة وباطنة وجعل الشكر قيدا لهذه النعم وسببا للزيادة؛ قال تعالى:{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].

وقد شرع رب العزة من أعمال الخيرما يكون من باب شكر نعم الله؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.(1)

وقد جعل سبحانه السعي في نفع المسلمين وقضاء حوائجهم – الذي هو حقيقة العمل التطوعي-من أسباب معونة الله تعالى للعبد؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ..(2)

ويُلمح من هذه النصوص وغيرها أن التنوع من أبرز السمات المميزة للعمل الدعوي فهو ليس قاصرًا على مجال من مجالات الطاعة دون مجال ولا على صورة مشروعة دون أخرى بل قد اعتبرت الشريعة الغراء بعض صوره التي ربما زهد فيها الكثير من الناس من شعب الإيمان؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ...(3)

وفي ظل عدم كفاية الجهود الرسمية لتلبية الحاجات المتنامية للمجتمع المسلم-لأسباب عدة- تظهر الحاجة إلى التوسع في الأعمال الخيرية بمجالاتها المتعددة؛ ذلك أنه من السلبيات المشاهدة في المجال الخيري الاهتمام الزائد بجوانب دون أخرى؛ فربما وجدنا كثرة من المتطوعين في بعض الأماكن في مجال بناء المساجد أو كفالة الأيتام مع عدم حاجة المكان إلى ذلك في الوقت الذي نجد فيه قصورا في بعض الأبواب الأخرى التي ربما كانت الحاجة إليها ماسة.

وإننا إذا نظرنا إلى تطبيقات العمل الخيري في السنة النبوية لوجدنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يراعى في توجيهاته للصحابة رضي الله عنهم المجالات التي تناسب حاجة الناس وما تقتضيه الظروف والأحوال ومن أمثلة ذلك:

1- لما احتاج المسلمون إلى الماء وكان يباع قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ.(4)

2- ولما احتاج المسلمون إلى تجهيز جيش العسرة وكان وقت مشقة وقلة في المال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ.(5)

3- ولما جاء النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قومٌ حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، تمعر وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما رأى بهم من الفاقة ثم خطب الناس وكان مما قال: تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ.(6)

4- ولما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- معرفة أخبار المشركين في غزوة الأحزاب قال لحذيفة بن اليمان: قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ..(7)

5- ولما أُفْرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوهُ، قَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ؟" - أَوْ "هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ."(8)

والنصوص في هذا الباب كثيرة حتى لقد تَرَبى لدى السلف الصالح حبُّ المشاركة في جميع أعمال الخير والضرب بسهم في كل عمل من أعمال القربات؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: " مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.(9)

فاضرب أخي الداعية لنفسك أبوابا تشارك فيها فتكون دعوتك أعم وأوسع وأنفع بإذن الله ، والله المستعان

---

(1) أخرجه البخاري (2989)، ومسلم (1009).

(2) أخرجه مسلم(2699).

(3) أخرجه مسلم (35).

(4) أخرجه البخاري (2778).

(5) أخرجه البخاري (2778).

(6) أخرجه مسلم (1017).

(7) أخرجه مسلم (1788).

(8) أخرجه مسلم (1789).

(9) أخرجه البخاري (1897)، وأخرجه مسلم (1027).

عدد المشاهدات 4274